تزييف الآثار لدعم المشروع الصهيوني في فلسطين

  • علي عمار
  •           
     الحفر من أجل الرب والوطن أحد الكتب التي حاولت تزييف             التاريخ الفلسطيني 

    لطالما زيف الصهاينة التاريخ وحاولوا التلاعب به لينشؤا مشروعهم الاستيطاني الاستعماري حتى لو كان ذلك على حساب أرواح الأبرياء أو الكذب أو ما شاكل ذلك لأنهم ببساطة لا يهتمون اهم شيء هو خدمة مصالحهم إذ لعب العاملان الديني والصهيوني دورًا كبيرًا في كتابة التاريخ الإسرائيلي القديم 

    ويمكن القول إننا إذا راجعنا سير علماء الآثار الذين درسوا آثار فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين سوف نجد انهم

    في أحد فريقين الفريق الأول أصحاب المرجعية الدينية واغلبهم من النصارى أو اليهود، ويتلقون الدعم من مؤسسات الدينية وأفضل وصف لهؤلاء العلماء من هذا الفريق أنهم حين أتوا إلى فلسطين "كانوا يمسكون بالكتاب المقدس في يد وبمعول الحفر في اليد الأخرى" وكان الهدف الرئيسي لهم إثبات صحة التاريخ الإسرائيلي القديم وروايات العهد القديم التاريخية. أما الفريق الآخر فهم أصحاب الدوافع الصهيونية وهؤلاء وإن اتفقوا مع الفريق الأول في هدفهم إلا أنهم كانوا مهتمين في الأساس في تركيز جهدهم في أن تصبح أبحاثهم ممهدة لإقامة وطن قومي لليهود (سرقة فلسطين). هذا الفريق لم يقم بمراعاة الدقة والأمانة في أبحاثهم بل كثيرًا ما قام بفبركة وتزوير الاكتشافات أثرية، وتزييف ألادلة لإثبات ما ذهبوا إليه. المهم هنا أن النتيجة النهائية لأبحاث كلا الفريقين واكتشافاتهم خدمت وساعدت المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. 

    في ذلك الوقت كان العالم العربي ـ وما زال ـ لا يعطي اهتماماً لدراسة علم الآثار ولا يخصص لها أو لغيرها من العلوم الاموال التي تكفي للارتقاء بها، أو لمواجهة خطر الكيان الصهيوني في حين كان مفكروا الصهيونية لا يألون جهدًا في هذا المسار وقد نقل عن أحاد هعام (1856 ـ 1927)، وهو رائد الصهيونية الروحية التي كانت تنادي بأن تكون فلسطين مركزًا لليهود في أنحاء العالم، قوله "إن غياب الحقيقة الأثرية لا يؤثر على الحقيقة التاريخية، فلو أثبت علم الآثار مثلًا أن شخصية موسى ليست شخصية حقيقية، فإن هذا لن ينقص شيئًا من حقيقة وجوده التاريخي كمثال ونموذج تأثرنا به آلاف السنين". هذا الفصل بين الحقيقة الأثرية والرواية التاريخية في مقولة هعام يؤكد على قبول الرواية التاريخية، وإن كانت غير صحيحة المهم انها تدعم الموقف الصهيوني من فلسطين. 

    لقد كان الموقف العلمي الأخلاقي ألا يتم دمج علم الآثار بالسياسة لأن الضرر وقتها، كما يقول عالم الآثار الأميركي فيليب كينج، سوف يلحق بعلم الآثار، وحينها سوف يصبح علم الآثار تابعًا لنجاح وتفوق النص الأدبي، وسوف يكون على علم الآثار في هذه الحالة أن يقدم الدليل الأثري الذي يثبت صدق النص، وهو بالطبع شيء سيء وسيؤدي الى نتائج كارثية، والذي اصبح متكررًا في دراسة آثار فلسطين طبقًا لشهادات عديدة لعلماء آثار غربيين في العقود الثلاثة الأخيرة.

    وعلى الرغم من السؤال الذي قام بطرحه الكثير من الباحثين هل يمكن تجاوز الأيديولوجيات و الميثولوجيا اليهودية القديمة، أو الحديثة، لكي لا يؤثر ذلك في كتابة التاريخ، إلا أن تجربة علماء الآثار في فلسطين كانت مختلفة تماماً عن هذا التوقع اذ زيفت الحقائق، اضف الى ان علماء الاثار لم يكونوا ينقبون عن الحقيقية، بل ينقبون عن دلائل تثبت وجود اسرائيل، وهو ما يؤكده علماء الآثار ومنهم العالم الأميركي، نيل أشير سيلبرمان، في كتاب كامل حول هذا الموضوع، والذي يتضح من عنوانه "الحفر من أجل الرب والوطن" إلى أي مدى اختلطت السياسة واللاهوت بعلم الآثار والتنقيب.

    هناك سؤال آخر طرحه مجموعة من الباحثين الغربيين وهو: هل كان الوضع السياسي في دولة فلسطين في أوائل القرن الماضي يسمح بأن يكون علماء آثار مثل وليم أولبرايت، وإرنست رايت، أو غيرهما، مستقلين عن هذا الوضع في فلسطين؟ ويتساءل سيلبرمان: هل كان من الممكن لهؤلاء الباحثين أن يجروا أبحاثهم في مجتمع مفكك نتيجة الصراع (كدولة فلسطين في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي) من دون أن يشاركوا بغاية معينة، أو من دونهدف، في هذا الصراع الدائر؟ وهل كان من الممكن أن يقدموا صورة واضحة عن الماضي بعيداً عن التفسير السياسي الحالي، خاصة إذا وضعنا بعين الاعتبار خلفية هؤلاء الباحثين القومية والدينية؟ هل من الممكن أن تكون هذه العوامل غير مؤثرة في النتائج النهائية (نتائج الأبحاث)؟ وإذا كانت هذه الأسئلة، وغيرها تلقي تشكك بنتائج أبحاث هؤلاء العلماء في آثار فلسطين، فإن هناك من صرم بوضوح عن أن الأبحاث الأثرية لأولبرايت، وإرنست رايت، وغيرهما، كانت تنطلق من ثقتهم العميقة في نصوص العهد القديم، وتميز بني إسرائيل وأنها لم إلا محاولة لتصديق نصوص التوراة المحرفة.

    المراد هنا أن عددًا كبيرًا من علماء الآثار المتصهينين كان هدفهم الأساسي من البحث إضفاء بعض الشرعية للاحتلال الصهيوني لفلسطين بالاستناد إلى روايات العهد القديم (التوراة) عن أصل بني إسرائيل (بعيداً عن أن يهود هذا الزمن لا علاقة لهم ببني إسرائيل) وربط ذلك بتأسيس وطن قومي لهم. واشتمل ذلك بالطبع توظيف علم الخرائط لتغيير الأسماء العبرية لمدن وقرى فلسطين بالأسماء العربية القائمة فعليًا. ويعد جورج آدم سميث من أبرز الشخصيات في هذا المجال الذي اشتمل التحريف والتزوير، بعمله الذي جاء في مجلدين بعنوان "الجغرافيا التاريخية للأرض المقدسة"، الذي صدر في بداية القرن الماضي. وبعد احتلال فلسطين، بدأت دولة الاحتلال في استبدال أسماء المدن والقرى؛ بحيث لم يعد من السهل تذكر أسماءها العربية.

    "تجربة علماء الآثار في فلسطين تثبت تحريف الحقائق. فعلماء الآثار لم يكونوا ينقبون من أجل الوصول إلى الحقيقة، بل لتأكيد جذور الكيان الغاشم"

    وخلال الثلاثين سنة الماضية ظهر فريق من العلماء أمثال توماس تومسون، ونيل لامكه، وفيليب دافيز، وآخرين وهؤلاء رفضوا اغلب نتائج الدراسات الحديثة التي اهتمت بتاريخ فلسطين من زاوية صهيونية بحته، ورأى بعضهم أن الصهيونية قام برشوة علماء الآثار في مشروع استعادة تاريخ إسرائيل القومي، بل وإلى اختلاقه إذا اقتضى الأمر وتحريف العديد من النقوش والأختام الأثرية

    والتشكيك في صحة كثير منها، إضافة إلى تصنيف النقوش الكنعانية ضمن آثار اللغة العبرية (الكنعانيين ليسوا عبريين إنما العبريون هم من أصل كنعاني)، مثلما فعل يسرائيل ولفنسون في كتابه "تاريخ اللغات السامية" حين صنف فصلًا عن اللغة العبرية وضع فيه نقوشًا موآبية، وكان حينها يدرس في الجامعات المصرية.

    نموذج آخر لكتب حاولت تزييف التاريخ


    نأخذ أحد الامثلة الشائعة واترك البحث للقارئ الكريم

    والحق أن ما يحدث في دراسة آثار فلسطين من قبل الدوائر الصهيونية يصل إلى حدّ الاستغباء. وسأكتفي هنا بإعطاء مثال واحد حديث تدعمه دولة الاحتلال؛ فمنذ فترة ليست بطويلة قام نفتالي بينيت، حينما كان رئيسًا للوزراء، بالتعليق على صورة وضعها في صفحته على موقع تويتر، كانت

    الصورة لقطعة مكسورة من نقش قديم قال بينيت إنها اكتشفت في قرية (خربة الراعي) الفلسطينية، وعلق عليها قائلاً إن الكسرة تعود إلى عصر القضاة، ومكتوب عليها اسم يربعل، وهو اسم مستخدم في العهد القديم (التوراة)، وبناء على هذا الادعاء أضاف قائلاً "آباؤنا عاشوا على أرضنا هذه وتحدثوا بلغتنا وقرأوا نفس التوراة مثلنا".

    الصورة التي نشرها بينيت على حسابه في تويتر 

    ان كم الاستغفال في حديث بينيت مبالغ فيه إلى حد كبير وكأنه يكلم مجموعة من الاطفال، سائراً على نهج غيره من المتخصصين في دراسة آثار فلسطين لفرض سياسة الأمر الواقع حتى في المجال العلمي! مستغلين تراجع البحث الأثري في الوطن العربي كاملاً (مع شديد الأسف) رغم أنهم ينقلبون في بيئة عربية. ولطالما كانت بلادنا كمصر وليبيا وفلسطين وسوريا ولبنان، وغيرها تفتح لمثل هؤلاء الباحثين الغربيين أبواباً من الفرص في حين تغلق كل الفرص أمام الباحثين من أصحاب الأرض (العرب) لأسباب كثيرة لكن هذا ليس محل نقاشنا. وكان دور العرب في هذه الأبحاث وما زال للأسف، مقصورًا أغلبه على المهام الخاصة بالحفر ورفع المخلفات، والسهر لخدمة الباحثين الغربيين والاوربيين، من دون أن تكون هناك مشاركة فعليه في البحث العلمي ولهذا، فإننا حين نبحث عن علماء المصريات، أو الآشوريات، أو علماء البحث الأثري في فلسطين، فإننا غالبًا لن نجد عربيًا واحدًا بين هؤلاء العلماء. وكانت هذه فرصة عظيمة ليستغلها الصهاينة

    بالعودة إلى كلام بينيت نشير إلى أن عصر القضاة الذي ادعى بينيت نسبة النقش إليه هو عصر محل شك كله؛ وقد رويت أحداثه في سفر القضاة في العهد القديم بأسلوب السرد الاسطوري والخرافي فضلاً عن ما تضمنه من مفارقات تاريخية فالفترة التاريخية التي امتدت منذ وفاة يشوع بن نون عليه السلام، وصي موسى عليه السلام حتى قيام مملكة داود وسليمان، لا تزيد عن 150 عامًا، جعلها محرفوا السفر 450 عامًا، وهذه الأمور دفعت لاعتبار عصر القضاة كله من نسج الخيال.

    أما التوراة التي ادعى رئيس الوزراء دولة الاحتلال السابق أن أجداده كانوا يقرأونها مثلما يفعلون هم الآن، فنكتفي بذكر أن أقدم نص عبري معتمد للتوراة يعود إلى القرن العاشر الميلادي، وأن أقدم نص اجنبي للعهد القديم هو الترجمة اليونانية (التي تسمى السبعينية) التي اكتملت في القرن الرابع الميلادي. ويوجد اختلاف كبير جداً بين الترجمة السبعينية وأول نص عبري معتبر للعهد القديم تدخل ضمن موضوعات علم النقد النصي.

    أما النقش الذي عرضه بينيت فكتب بالخط الكنعاني القديم إذ ليس هناك أصلًا خط عبري فقد استخدم بنو إسرائيل الخط الذي ابتكره الكنعانيون، بل إن اللغة العبرية كلها ذات أصل كنعاني حيث تفرعت عن الكنعانية شأنها من شأن لغات محلية أخرى لشعوب كانت تسكن أرض كنعان، كالموآبيين والعمونيين والأدوميين، والأكثر من ذلك أن الخط الحالي الذي تكتب به الصحف والمكاتبات الرسمية في الكيان الغاشم، والذي يسمى بالخط المربع، هو خط آرامي الأصل .

    أما بالنسبة للاسم يربعل المنقوش على هذه الكسرة الحجرية، فمن المعروف أن بعل هو اسم إله عبده الكنعانيون والآراميون، وغيرهم من شعوب الشرق الأدنى القديم وكان الكنعانيون يجعلون اسمه جزءًا من أسماء أبنائهم أو ملوكهم، مثل أبي بعل، بعل آتسور، أتو بعل.. وقد يطلقون اسمه على مدنهم، بعضها لا يزال موجودًا لليوم، كمدينة بعلبك اللبنانية. وجدير بالذكر أن عبادة البعل الوثنية تسربت إلى بني إسرائيل أنفسهم، ولم يرضَ أنبياؤهم بذلك وأشار القرآن الكريم إلى ذلك أيضًا في قوله تعالى (أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين.. الى اخر الاية الكريمة الصافات ١٢٥). وقد وصل الأمر إلى أن بني إسرائيل أصبحوا يطلقون اسم بعل على أبنائهم مثلما فعل الكنعانيون، فوجدنا ذلك في العهد القديم في اسمين هما (يربعل، إيشبعل) وفي الحالتين قام المحررون المتأخرون بتغيير الاسمين إلى يربوشت، وإيشبوشت، تعبيراً عن الإحساس بالعار نتيجة الانتساب إلى البعل حيث كلمة بوشت تعني العار في العبرية.

    الغريب هنا تقرير بينيت أن الاسم يربعل دليل على أن ذلك أثر من آثار بني إسرائيل لمجرد ورود الاسم في العهد القديم، علماً أن البعل إله للكنعانيين، فما الذي يثبت ان هذا اسم شخص اسرائيلي، وليس لشخص كنعاني أو آرامي، والأغرب من ذلك أن عبارته آباؤنا وكأن له علاقة ببني إسرائيل وهلا ما لا يتفق مع نتائج الدراسات الأنثروبولوجية التي لا تؤيد وجود أي علاقة بين يهود العصر الحديث، وبني إسرائيل في العصر القديم.

    فقط تخيل أن كل هذه الملاحظات البسيطة تدحض تلك الرواية الصهيونية، والتي يرجح أن بعض الآثاريين قد حكاها لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، تتعلق بنقش واحد يتكون من خمسة حروف فقط، فما بالك لو أعدنا تقييم كثير من الدراسات الأثرية بعيدًا عن تلك التوجهات الصهيونية التي أثرت على دراسة آثار فلسطين القديمة؟! ستكون النتيجة دحض كل الروايات الصهيونية كلمة واحدة حرفوا معناها وغيروه فما بال بتمثال أو غير ذلك